السيد محمد تقي المدرسي
263
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
من النبي صلى الله عليه وآله في بيعة الرضوان تحت الشجرة . 4 / مما يؤكد الثبات في المعارك ، معرفة الانسان بأنه لا يستطيع بالفرار الخلاص إلى الأبد من الموت أو القتل . فلعله يبعده عن ذلك لحظات واياماً ، ولكنه لن يكون سبباً للبقاء والاستمرار . فما يدفعه المجتمع - وحتى الانسان الفرد - بسبب الهزيمة ، يفوق ما يدفعه بالاستقامة اضعافاً مضاعفة . إذ انه بفراره من المعركة يعطي العدو زخماً من الثقة بالنفس ، فيشجعه على نفسه . قال الله سبحانه : قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ ان فَرَرْتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( الأحزاب / 16 ) 5 / ومن عوامل الثبات في المعركة الاستقامة بالله ، ( والاعتصام به ، والتوكل عليه ) . وحين يتذكر الانسان حالاته السابقة ، وكيف احتاج إلى رحمة ربه فدعاه بحقيقة الايمان ، فاسعفه وانقذه من المشاكل . وحين يدرس تاريخ المؤمنين ، وكيف تدخلت قوة الغيب في تأييدهم ، يعرف حينئذ ان التوكل على الله سر التغلب على الصعاب . ( ويذكّر القرآن الأمة الاسلامية بماضيها ، وابرز المعارك الحاسمة فيه ، والتي تتكرر - دوماً - مثيلاتها ؛ مثلًا في معركة بدر حيث استغاث المسلمون فأمدهم ربهم بألف من الملائكة . . ) ( والاستغاثة - كأي دعاء آخر - تكشف عن إرادة النجاح التي لاتقهرها حتى المشاكل المادية الظاهرة ، كما انها تكشف عن ايمان قوي بان الأمور بيد الله سبحانه ) . قال الله سبحانه : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ انِّي مُمِدُّكُمْ بِالْفٍ مِنَ الْمَلآَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ( الأنفال / 9 ) 6 / والملائكة من وسائل النصر ، ومن وسائل الثبات في المعركة . وهناك وسائل أخرى يوفرها ربنا إذا شاء ؛ مثلًا في حرب بدر كانت الأعصاب متوترة ، والنفوس ملتهبة هلعاً ، والأجسام تثقل بالأوساخ . . فبرّد الايمان والتوكل أفئدة المسلمين ، حتى مالت إلى الراحة والنعاس فاستراحت الأعصاب ، واستعدت لمعركة حاسمة في اليوم التالي . وهكذا حين يتوكل العبد على ربه ، يستريح في ظلال الثقة به وبقدره وقضائه ، فلا يحرق اعصابه ، بل يعيش في كنف أمان ربه . والمؤمنون حقاً هم الذين يزدادون ايماناً في ساعة العسرة ، لان تلك الساعات تكشف